
المحيطات
جرافات الأعماق: كيف يمحو الصيد بالقاع غابات الأرض الخفية؟
استنزاف النظام البيئي البحري تحت وطأة الشباك الثقيلة والسعي وراء الربح السريع.
نُشر في 25 يونيو 2026 · 6 دقائق قراءة
Image: AI-generated illustration · One Fork
بينما يركز العالم على إزالة الغابات الاستوائية، تتعرض قيعان المحيطات لعملية تجريف صامتة وشاملة. يستعرض هذا التحقيق العلمي كيف يحول الصيد بالقاع الكربون المخزن في المحيطات إلى غازات دفيئة، ويدمر مهد التنوع البيولوجي الذي يحتاجه كوكبنا للبقاء.
تحت سطح الأمواج بآلاف الأمتار، يمتد عالم من الشعاب المرجانية الباردة، وغابات الإسفنج، والسهول الرسوبية التي استغرقت آلاف السنين لتتشكل. هذا العالم، الذي يمثل واحدًا من أكبر مخازن الكربون على كوكب الأرض، يتعرض اليوم لعملية "حرث" صناعية لا تهدد الأسماك فحسب، بل تهدد الاستقرار المناخي العالمي. إنها تقنية الصيد بالقاع (Bottom Trawling)، وهي ممارسة تتضمن سحب شباك عملاقة مزودة بأوزان ثقيلة وسلاسل معدنية عبر قاع البحر، لتعمل كجرافات تقتلع كل ما في طريقها من أجل صيد حفنة من الأنواع التجارية مثل الروبيان وأسماك القد.
تعد هذه الطريقة في الصيد من أكثر الأساليب تدميرًا للبيئة في التاريخ البشري، حيث لا تفرق الشباك بين سمكة مستهدفة وبين مرجان عمره قرون. في مجلة "ون فورك"، نغوص في الأدلة العلمية لنفهم لماذا يصف علماء البحار هذه الممارسة بأنها "إبادة جماعية للبيئة البحرية"، وما هي التكلفة الحقيقية لتلك الأسماك الزهيدة التي تصل إلى موائدنا.
جرافات في الظلام: آلية التدمير الميكانيكي
تعتمد تقنية الصيد بالقاع على معدات ضخمة تُعرف بـ "أبواب الشباك"، وهي ألواح فولاذية يمكن أن تزن عدة أطنان، تهدف إلى إبقاء فم الشبكة مفتوحًا وملتصقًا بالقاع. أثناء تحرك السفينة، تحرث هذه الأبواب والخطوط المرجحة التربة البحرية، مما يؤدي إلى ردم الموائل الطبيعية وتدمير البنية الفيزيائية للقاع.
وفقًا لدراسة نُشرت في دورية *Nature* العلمية، فإن المساحة التي يتم تجريفها سنويًا من قاع المحيط تتجاوز مساحة الغابات التي يتم قطعها على اليابسة بعدة أضعاف. ما يتبقى خلف هذه الشباك ليس مجرد قاع فارغ، بل هو صحراء بيولوجية. فالكائنات التي تعيش في القاع، مثل النجوم البحرية، والديدان الأنبوبية، والرخويات، تشكل أساس السلسلة الغذائية؛ وبدونها، ينهار النظام البيئي بالكامل.
يشير الدكتور إنريك سالا، المستكشف المقيم في ناشيونال جيوغرافيك وأحد أبرز المدافعين عن حماية المحيطات، إلى أن الصيد بالقاع يشبه "استخدام جرافة لجمع التفاح من الغابة"، حيث يتم تدمير الأشجار والطيور والسناجب وكل أشكال الحياة من أجل بضع ثمار.
قنبلة الكربون الموقوتة
واحدة من أكثر الاكتشافات العلمية إثارة للقلق في السنوات الأخيرة هي العلاقة بين الصيد بالقاع وانبعاثات الكربون. يعمل قاع المحيط كمستودع ضخم للكربون العضوي، حيث تستقر بقايا الكائنات الميتة وتُدفن في الرواسب لآلاف السنين. عندما تقوم الشباك بجرف القاع، فإنها تثير هذه الرواسب، مما يؤدي إلى إعادة أكسدة الكربون المخزن وتحويله إلى ثاني أكسيد الكربون (CO2).
"إن كمية الكربون المنبعثة من اضطراب قاع المحيط بسبب الصيد بالقاع تضاهي الانبعاثات السنوية لقطاع الطيران العالمي بأكمله."
هذه النتيجة، التي توصل إليها فريق من 26 باحثًا دوليًا في دراسة عام 2021، قلبت الموازين في نقاشات المناخ. فالأمر لا يتعلق فقط بفقدان التنوع البيولوجي، بل بتحول المحيطات من "بالوعات للكربون" (Carbon Sinks) تمتص انبعاثاتنا، إلى مصادر جديدة تزيد من احترار الكوكب. هذه الانبعاثات تساهم أيضًا في زيادة حموضة المحيطات، مما يجعل من الصعب على الكائنات البحرية بناء أصدافها وهياكلها العظمية.
الصيد العرضي: المأساة غير المرئية
من أكبر عيوب الصيد بالقاع هو عدم الانتقائية. فالشباك تجمع كل ما يصادف طريقها، مما يؤدي إلى ما يُعرف بـ "الصيد العرضي" (Bycatch). تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن الصيد بالقاع هو المسؤول الأكبر عن إهدار الموارد البحرية، حيث يتم إلقاء ملايين الأطنان من الكائنات البحرية الميتة أو المحتضرة مرة أخرى في البحر كل عام لأنها لا تمتلك قيمة تجارية.
- السلاحف البحرية: تعلق السلاحف في الشباك وتغرق قبل وصولها للسطح.
- القروش والراي: تموت هذه الكائنات بطيئة النمو بمعدلات تفوق قدرتها على التكاثر.
- الشعاب المرجانية العميقة: هذه الكائنات تنمو بضعة مليمترات فقط في السنة، وجرة واحدة من الشبكة كفيلة بتدمير مستعمرات عمرها 4000 عام.
في بعض عمليات صيد الروبيان بالقاع، تصل نسبة الصيد العرضي إلى 80% أو 90%، مما يعني أن الحصول على كيلوغرام واحد من الروبيان قد يكلف قتل تسعة كيلوغرامات من الكائنات البحرية الأخرى.

الوهم الاقتصادي والدعم الحكومي
قد يتساءل المرء: إذا كان هذا النشاط مدمرًا لهذه الدرجة، فلماذا يستمر؟ الإجابة تكمن في الاقتصاد المشوه. الصيد بالقاع في أعالي البحار يتطلب كميات هائلة من الوقود لسحب الشباك الثقيلة لمسافات طويلة، وهو ما يجعله غير مربح لولا الدعم الحكومي.
تظهر أبحاث من جامعة بريتيش كولومبيا (مشروع Sea Around Us) أن العديد من أساطيل الصيد في أعالي البحار ستكون خاسرة ماليًا لولا الإعانات التي تقدمها الدول للوقود. نحن، كدافعي ضرائب، نمول فعليًا تدمير مواردنا العامة. هذا الدعم يشجع على الاستمرار في ممارسات غير مستدامة تخدم الربح قصير الأمد لشركات كبرى على حساب الصيادين التقليديين والمجتمعات الساحلية التي تعتمد على الصيد المستدام.
هل هناك بدائل؟ نحو نهج "شوكة واحدة"
في "ون فورك"، نؤمن بأن الحل يبدأ من الوعي والسياسة. لا يمكننا الاستمرار في معاملة المحيط كمخزن لا ينضب. الحلول موجودة ومثبتة علميًا:
1. المناطق البحرية المحمية (MPAs): حظر الصيد بالقاع تمامًا في المناطق الحساسة يمنح النظام البيئي فرصة للتعافي. أثبتت الدراسات أن حماية أجزاء من المحيط تزيد من إنتاجية المناطق المجاورة لها (تأثير الامتداد). 2. التحول نحو الصيد الانتقائي: استخدام أدوات مثل الخيوط الطويلة (Longlines) أو الفخاخ التي تستهدف أنواعًا محددة وتقلل من الصيد العرضي وتأثير القاع. 3. تبني الأنظمة الغذائية القائمة على النباتات: إن تقليل الطلب العالمي على المأكولات البحرية الرخيصة والمنتجة صناعيًا يخفف الضغط على المحيطات ويسمح باستعادة التوازن.
الخاتمة: حماية ما تبقى
إن المحيط ليس مجرد مساحة مائية، بل هو الرئة التي نتنفس بها والمنظم الحراري لكوكبنا. تجريف القاع هو اعتداء على مستقبلنا الجماعي. لقد حان الوقت لنقل النقاش من "كم يمكننا أن نستخرج؟" إلى "كم يجب أن نحمي؟".
من خلال دعم السياسات التي تحظر الصيد بالقاع واختيار بدائل غذائية أكثر استدامة، يمكننا وقف هذه الجرافات قبل أن تمحو آخر الغابات الخفية في أعماق البحار. إن العلم واضح، والأدلة دامغة؛ وما نحتاجه الآن هو الإرادة الأخلاقية والسياسية للتحرك.
من خلال فهمنا لهذه الحقائق، ندرك أن كل خيار نقوم به بـ "شوكة واحدة" يمثل موقفًا تجاه الكوكب. لنختر حماية الأعماق، لا تدميرها.

تأثير تعكر الرواسب: التهديد الكيميائي الصامت للأحياء البحرية
يؤدي الصيد بالقاع إلى خلق سحب ضخمة من الرواسب العالقة التي تعيد توزيع الملوثات التاريخية والمغذيات في عمود الماء، مما يخنق الكائنات التي تتغذى بالترشيح ويحجب الضوء اللازم لعملية التمثيل الضوئي. وفقًا لتقرير دراسة جامعة ساوثهامبتون (2022)، فإن هذه الرواسب يمكن أن تظل عالقة لعدة أشهر، مما يؤدي إلى تغيير كيميائي في تكوين مياه المحيط وتدمير الموائل الدقيقة.
تتسبب هذه السحب الرسوبية في عدة أضرار بيئية تشمل: * نقص الأكسجين: استهلاك الأكسجين المذاب في الماء أثناء أكسدة المواد العضوية المثارة. * إطلاق السموم: إعادة إطلاق المعادن الثقيلة مثل الزئبق والرصاص التي كانت مدفونة بأمان في القاع. * تعطيل التكاثر: طمس مواقع وضع البيض للأسماك القاعية تحت طبقات من الغبار الطيني.
تشير أبحاث المجلس الدولي لاستكشاف البحار (ICES) في عام 2023 إلى أن تعكر المياه الناتج عن الجرافات يقلل من كفاءة الصيد في المناطق المجاورة على المدى الطويل بسبب هروب الأسماك الحساسة للضوء والضغط.
المناطق البحرية المحمية (MPAs) كدرع قانوني ضد الجرافات
تمثل المناطق البحرية المحمية الأداة القانونية الأكثر فعالية لوقف تدمير القاع، حيث تسمح للأنظمة البيئية المتضررة بالتعافي البيولوجي وزيادة الكتلة الحيوية بنسبة تصل إلى 600% داخل حدودها. وفقًا لبيانات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) لعام 2023، فإن أقل من 3% من المحيطات العالمية تتمتع بحماية كاملة من الصيد الصناعي، مما يترك مساحات شاسعة عرضة للتدمير.
تتضمن فوائد التوسع في هذه المناطق ما يلي: 1. تأثير الامتداد (Spillover Effect): هجرة الأسماك من المناطق المحمية إلى مناطق الصيد القانونية، مما يدعم الأمن الغذائي. 2. حماية الشعاب المرجانية الباردة: الحفاظ على كائنات مثل مرجان *Lophelia pertusa* الذي ينمو بمعدل 5 ملم فقط سنويًا. 3. مرونة المناخ: الحفاظ على سلامة رواسب الكربون لضمان عدم تسربها إلى الغلاف الجوي.
تؤكد منظمة Oceana في تقريرها لعام 2024 أن حظر الصيد بالقاع في المناطق المحمية التابعة للاتحاد الأوروبي يمكن أن يولد فوائد اقتصادية واجتماعية تفوق تكاليف التنفيذ بثمانية أضعاف.
مقارنة الانبعاثات الكربونية: الصيد بالقاع مقابل القطاعات العالمية
| القطاع / النشاط | حجم انبعاثات ثاني أكسيد الكربون السنوية (طن) | المصدر والسنة | | :--- | :--- | :--- | | اضطراب رواسب الصيد بالقاع | حوالي 1 مليار طن | دورية Nature (2021) | | قطاع الطيران العالمي | حوالي 915 مليون طن | ATAG (2020) | | صيد الروبيان (لكل كجم منتج) | 12.5 كجم من الكربون | جامعة دالهاوزي (2022) | | الزراعة النباتية (لكل كجم منتج) | أقل من 1 كجم من الكربون | دراسة Poore & Nemecek (2018) |
<!-- one-fork:related-links -->
مصادر وأدوات إضافية للتعمق
- One Fork Magazine
- أدوات نباتية مجانية
- التغذية: البروتين
- ماسح ضوئي لملصقات المكونات
- خرافات النظام النباتي
- اسأل نباتياً
- كيف تبدأ فعلاً
- أخطاء إدارة مصايد سمك القد: دروس من انهيار غراند بانكس التاريخي
<!-- /one-fork:related-links -->
FAQ
- ما هي كمية الكربون التي يطلقها الصيد بالقاع سنويًا؟
- يطلق الصيد بالقاع ما يقرب من 1 مليار طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنويًا من رواسب قاع المحيط، وفقًا لدراسة نُشرت في دورية **Nature (2021)**. هذه الكمية تعادل الانبعاثات الصادرة عن قطاع الطيران العالمي بأكمله، مما يجعله مساهمًا رئيسيًا غير معترف به في الاحتباس الحراري.
- لماذا يعتبر صيد الروبيان بالقاع هو الأكثر ضررًا؟
- يعتبر صيد الروبيان الأسوأ بسبب استخدام شباك ذات فتحات ضيقة جدًا، مما يؤدي إلى نسبة صيد عرضي تصل إلى 90%. وفقًا لمنظمة **WWF**، يتم التخلص من حوالي 38 مليون طن من الكائنات البحرية غير المستهدفة سنويًا على مستوى العالم، ويساهم صيد الروبيان بالقاع بنصيب الأسد في هذا الهدر.
- هل يمكن لقاع المحيط التعافي بعد تجريفه؟
- التعافي ممكن ولكنه بطيء للغاية؛ فالشعاب المرجانية في المياه الباردة قد تحتاج إلى قرون للنمو مجددًا. أظهرت أبحاث من **جامعة بليموث (2023)** أن المناطق التي مُنع فيها الصيد بالقاع أظهرت تحسنًا بنسبة 30% في التنوع البيولوجي بعد 10 سنوات من الحماية فقط.
المصادر
- Protecting the global ocean for biodiversity, food and climate — Nature
- The ecological foot print of bottom trawling — PNAS
- Global Fisheries Subsidies — Marine Policy Journal
- Bottom Trawling: The Destructive Practice — Oceana
- State of World Fisheries and Aquaculture — FAO
- Carbon emissions from bottom trawling — The Guardian
- The carbon footprint of global bottom trawling — Frontiers in Marine Science
- Global Fisheries Subsidies Database — OceansAsia
- Bottom Trawling: The Most Destructive Fishing Method — Oceana